النويري

276

نهاية الأرب في فنون الأدب

مكة يوما أو يومين لقيه ابن الدّغنّة « 1 » ، ويقال فيه : الدّغينة - أخو بنى الحارث بن بكر ابن عبد مناة بن كنانة ، والهون بن خزيمة بن مدركة ، وبنى المصطلق بن خزاعة ، تحالفوا جميعا فسمّوا الأحابيش « 2 » للحلف - فقال : أين تريد يا أبا بكر ؟ قال : أخرجني قومي وآذونى وضيقوا علىّ ، قال : ولم ؟ فو اللَّه إنك لتزين العشيرة ، وتعين على النوائب ، وتفعل المعروف ، وتكسب المعدوم ، ارجع وأنت في جواري . فرجع معه حتى إذا دخل مكة ؛ قام ابن الدّغنّة فقال : يا معشر قريش ، إني قد أجرت ابن أبي قحافة فلا يعرضنّ له أحد إلا بخير ؛ فكفّوا عنه . قال : وكان لأبى بكر مسجد على باب داره في بنى جمح ، فكان يصلى فيه ، وكان رجلا رقيقا ؛ إذا قرأ القرآن استبكى ، فتقف عليه الصبيان والعبيد والنساء فيعجبون لما يرون من هيئته ، فمشى من قريش إلى ابن الدّغنّة رجال فقالوا : إنك لم تجر هذا الرجل ليؤذينا ، إنه رجل إذا صلى وقرأ ما جاء به محمد يرقّ ، ونحن نتخوّف على صبياننا ونسائنا وضعفتنا أن يفتنهم ، فأته فمره أن يدخل بيته فليصنع فيه ما شاء . قالت : فمشى ابن الدّغنّة إليه فقال : يا أبا بكر ، إني لم أجرك لتؤذى قومك ، إنهم قد كرهوا مكانك الذي أنت به ، وتأذّوا بذلك منك ، فادخل بيتك فاصنع فيه ما أحببت . قال : أو أردّ عليك جوارك ، وأرضى بجوار اللَّه ؟ قال : فاردد علىّ جواري ، قال : قد رددته عليك ، فقام ابن الدغنة فقال : يا معشر قريش ، إن ابن أبي قحافة قد ردّ علىّ جواري فشأنكم بصاحبكم .

--> « 1 » هو مالك بن الدغنة سيد الأحابيش . « 2 » يقال إنهم تحالفوا عند جبل يقال له حبشي ، فاشتق لهم منه هذا الاسم ، ( راجع الروض الأنف 1 : 231 ) .